
يعد التهاب دواعم السن (Periodontitis) أحد أكثر أمراض صحة الفم شيوعاً في جميع أنحاء العالم، حيث يؤثر على ملايين البالغين ويمثل سبباً رئيسياً لفقدان الأسنان. وعندما يتلقى الأشخاص تشخيصاً بالإصابة بالتهاب دواعم السن، فإن أحد الأسئلة الأولى التي يطرحونها هو ما إذا كان يمكن التراجع عن هذه الحالة. الإجابة معقدة نوعاً ما: فالتهاب دواعم السن عموماً لا يمكن التراجع عنه بالكامل، ولكن يمكن علاجه والسيطرة عليه وتثبيته بفعالية في معظم الحالات. ومع الرعاية المناسبة، يتمكن العديد من المرضى من الاحتفاظ بأسنانهم الطبيعية لعقود والحفاظ على صحة فم جيدة على الرغم من وجود تاريخ من أمراض اللثة.
ولفهم سبب عدم اعتبار التهاب دواعم السن قابلاً للتراجع، يفيد فهم كيفية تطور المرض. فالتهاب دواعم السن هو مرحلة متقدمة من أمراض اللثة تبدأ كإلتهاب بسيط للثة (Gingivitis). ويحدث التهاب اللثة عندما تتراكم اللويحات (البلاك)، وهي طبقة لزجة من البكتيريا، على الأسنان وعلى طول خط اللثة. ويتسبب هذا التراكم البكتيري في حدوث التهاب، مما يؤدي إلى أعراض مثل احمرار اللثة أو تورمها أو نزفها. وفي هذه المرحلة، يقتصر الضرر على الأنسجة الرخوة، وتكون الحالة عادةً قابلة للتراجع والشفاء من خلال تنظيف الأسنان الاحترافي وتحسين نظافة الفم.
وإذا لم يتم علاج التهاب اللثة، يمكن أن تتطور العدوى إلى التهاب دواعم السن. ومع انتشار البكتيريا تحت خط اللثة، فإنها تحفز استجابة التهابية مزمنة. ومع مرور الوقت، يدمر هذا الالتهاب الأنسجة والعظام التي تدعم الأسنان. وتتشكل الجيوب اللثوية بين الأسنان واللثة، مما يسمح لتراكم المزيد من البكتيريا ويجعل إدارة المرض صعبة بشكل متزايد. وعلى عكس التهاب اللثة البسيط، يتضمن التهاب دواعم السن فقدان الهياكل الداعمة التي لا تتجدد بشكل طبيعي من تلقاء نفسها.
هذا هو السبب الرئيسي وراء عدم إمكانية التراجع عن التهاب دواعم السن بالكامل. فبمجرد فقدان ارتباط نسيج اللثة والعظم السنخي، لا يمكن للجسم استعادتها تماماً دون علاج متخصص. وحتى عند القضاء على العدوى والسيطرة على المرض، قد لا تعود الأنسجة إلى حالتها الصحية الأصلية. وبالتالي، فإن الهدف من العلاج ليس بالضرورة التراجع عن جميع الأضرار الموجودة، بل إيقاف المرض من التقدم والحفاظ على الهياكل المتبقية.
ولحسن الحظ، فإن علاجات اللثة الحديثة فعالة للغاية. ففي كثير من الحالات، يمكن لأطباء الأسنان وأخصائيي اللثة وقف تقدم التهاب دواعم السن وتحسين صحة اللثة بشكل كبير. وأحد أكثر العلاجات الأولية شيوعاً هو تقليح الأسنان وتسوية الجذور، وغالباً ما يُشار إليه بالتنظيف العميق. ويزيل هذا الإجراء اللويحات والجير والبكتيريا من تحت خط اللثة ويجعل جذور الأسنان ملساء لمساعدة اللثة على إعادة الارتباط بشكل أكثر فعالية. ويشهد العديد من المرضى انخفاضاً في الالتهاب، وجيوباً لثوية أقل عمقاً، ولثة أكثر صحة بعد العلاج.
وفي الحالات الأكثر تقدماً، قد تكون هناك حاجة إلى إجراءات إضافية. إذ يمكن أن توفر جراحة اللثة وصولاً أفضل إلى الجيوب العميقة وتساعد في تقليل التراكم البكتيري. وقد تساعد العلاجات التجديدية مثل طعوم العظام، وطعوم الأنسجة الرخوة، وتجديد الأنسجة الموجه، والمواد الحيوية في استعادة بعض الهياكل المفقودة بسبب المرض. وفي حين أن هذه العلاجات يمكن أن تحسن الدعم حول الأسنان وتشجع على تجديد الأنسجة، إلا أنها عموماً لا تعيد بناء التشريح الدقيق الذي كان موجوداً قبل تطور التهاب دواعم السن.
ويعتمد نجاح علاج اللثة بشكل كبير على التزام المريض. إذ لا يمكن حتى للإجراءات الأكثر تقدماً أن تقدم نتائج دائمة إذا تم إهمال نظافة الفم المناسبة. وتعد فرشاة الأسنان مرتين يومياً بمعجون أسنان يحتوي على الفلورايد، واستخدام الخيط أو التنظيف بين الأسنان يومياً، وحضور فحوصات الأسنان المنتظمة أمراً ضرورياً للسيطرة على أمراض اللثة. والمرضى الذين يتبعون التوصيات المهنية غالباً ما يحققون استقراراً على المدى الطويل ويتجنبون الفقدان الكبير للأسنان.
وهناك عامل مهم آخر وهو التشخيص المبكر. فكلما تم اكتشاف التهاب دواعم السن مبكراً، زادت فرص الحفاظ على الأنسجة الداعمة حول الأسنان. وغالباً ما تستجيب الحالات الخفيفة إلى المتوسطة بشكل جيد للغاية للعلاج غير الجراحي، في حين قد تتطلب الحالات الشديدة تدخلاً أكثر شمولاً. وهذا هو السبب في أن فحوصات الأسنان المنتظمة أمر بالغ الأهمية، حتى عندما تبدو الأعراض طفيفة أو غائبة.
ويشعر الكثير من الناس بالدهشة عندما يعلمون أن التهاب دواعم السن يمكن أن يتقدم أحياناً بصمت. ورغم أن الأعراض الشائعة تشمل نزيف اللثة، ورائحة الفم الكريهة، وتراجع اللثة، وحساسية الأسنان، وتخلخل الأسنان، والانزعاج عند المضغ، إلا أن بعض المرضى يعانون من علامات قليلة جداً ملحوظة حتى يحدث ضرر كبير بالفعل. وتساعد التقييمات المهنية الروتينية في تحديد المشكلات قبل أن تصبح شديدة.
ويمكن أن تؤثر بعض عوامل الخطر أيضاً على تقدم التهاب دواعم السن ونتائج العلاج. ويعد التدخين أحد أهم العوامل المساهمة ويمكن أن يقلل بشكل كبير من نجاح علاج اللثة. كما أن مرض السكري غير المنضبط، وسوء نظافة الفم، والاستعداد الوراثي، والتوتر، والتغيرات الهرمونية، وبعض الأدوية قد تزيد أيضاً من خطر تطوير المرض أو تفاقمه. ويمكن أن تؤدي إدارة هذه العوامل إلى تحسين نتائج العلاج والمساعدة في الحفاظ على صحة اللثة على المدى الطويل.
باختصار، لا يُعتبر التهاب دواعم السن عادةً قابلاً للتراجع لأن فقدان العظام والأنسجة الداعمة لا يمكن إلغاؤه تماماً من خلال الشفاء الطبيعي وحده. ومع ذلك، هذا لا يعني أن الحالة ميؤوس منها. فمع التشخيص المبكر، والعلاج المهني، والعناية المستمرة بالفم، يمكن غالباً السيطرة على التهاب دواعم السن وتثبيته بنجاح. ويحافظ العديد من المرضى على أسنان صحية ووظيفية لسنوات أو حتى لعقود بعد العلاج. والرسالة الأهم هي أنه على الرغم من أن الضرر الناجم عن التهاب دواعم السن قد لا يكون قابلاً للتراجع بالكامل، إلا أنه يمكن غالباً إيقاف المرض نفسه قبل أن يؤدي إلى مزيد من الدمار أو فقدان الأسنان.

يمتلك د. رفعت السمان خبرة تزيد عن 5 سنوات، ويشغل حالياً منصب رئيس الفريق الطبي في عيادة فيترين





